ابن حمدون
273
التذكرة الحمدونية
ذلك معن بن زائدة وهو باليمن ، فأرسل إليه بجراب خطر فيه ألف دينار وكتب إليه : اختضب بالخطر وانتفع بالنخالة . « 713 » - كان معن بن زائدة قد أبلى مع يزيد بن عمر بن هبيرة بلاء شديدا ، فطلبه المنصور وبذل مالا لمن جاء به ، فاضطر لشدة الطلب إلى أن أقام في الشمس حتى لوّحت وجهه ، وخفّف عارضه ولحيته ، ولبس جبة صوف غليظة ، وركب جملا ثفالا ، وخرج عليه ليمضي إلى البادية فيقيم بها ؛ قال معن : فلما خرجت من باب حرب تبعني أسود متقلَّد سيفا حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه ، وقبض علي فقلت : مالك ؟ فقال : أنت طلبة أمير المؤمنين ، فقلت له : ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين ؟ قال : دع هذا فأنا أعرف بك منك ، قال معن فقلت له : يا هذا أتّق اللَّه فيّ فان كانت القصة كما تقول فهذا جوهر حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي ، فخذه ولا تسفك دمي ، فقال : هاته ، فأخرجته فنظر إليه ساعة وقال : صدقت في قيمته ولست قابله حتى أسألك عن شيء ، فإن صدقتني أطلقتك ، فقلت : قل ، فقال : إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت قطَّ مالك كلَّه ؟ قلت : لا ، قال : فنصفه ؟ قلت : لا ، قال : فثلثه ؟ قلت : لا ، حتى بلغ العشر ، فاستحييت وقلت : أظنّ أني قد فعلت ذلك ، فقال : ما ذاك بعظيم ، أنا واللَّه رزقي من أبي جعفر عشرون درهما ، وهذا الجوهر قيمته آلاف الدنانير قد وهبته لك ، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس ، ولتعلم أنّ في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك ، ولتحقر بعدها كلّ شيء تفعله ، ولا تتوقف عن مكرمة ، ثم رمى بالجوهر في حجري وخلَّى خطام البعير وانصرف ، فقلت له : يا هذا قد واللَّه فضحتني ، ولسفك
--> « 713 » الأغاني 10 : 88 والفرج بعد الشدة 4 : 51 - 53 ومحاضرات الراغب 1 : 588 ونهاية الأرب 3 : 211 - 212 .